الشيخ محمد رشيد رضا
139
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولكن هناك خلافا في نسخ أحكام القرآن ولو بالقرآن ، فقد قال أبو مسلم محمد ابن بحر الاصفهاني المفسر الشهير ليس في القرآن آية منسوخة ، وهو يخرّج كل ما قالوا إنه منسوخ على وجه صحيح بضرب من التخصيص أو التأويل ، وظاهر ان مسئلة القبلة ليس فيها نسخ للقرآن ، وانما هي نسخ لحكم لا ندري هل فعله النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم باجتهاده أم بأمر من اللّه تعالى غير القرآن ؟ « 1 » فان الوحي غير محصور في القرآن . ولكن الجمهور على أن القرآن ينسخ بالقرآن بناء على أنه لا مانع من نسخ حكم آية مع بقائها في الكتاب يعبد اللّه تعالى بتلاوتها وبتذكر نعمته بالانتقال من حكم كان موافقا المصلحة ولحال المسلمين في أول الاسلام ، إلى حكم يوافق المصلحة في كل زمان ومكان . فإنه لا ينسخ حكم إلا بأمثل منه كالتخفيف في تكليف المؤمنين قتال عشر أمثالهم بالاكتفاء بمقابلة الضعف بأن تقاتل المئة مئتين . « 2 » واتفقوا على أنه لا يقال بالنسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين من آيات الاحكام العملية ، وعلم تاريخهما ، فعند ذلك يقال إن الثانية ناسخة للأولى . وأما آيات العقائد والفضائل والاخبار فلا نسخ فيها . ونسخ السنة بالسنة كنسخ الكتاب بالكتاب ، بل هو أولى وأظهر وكذلك نسخ السنة بالكتاب كما في مسئلة القبلة ولا خلاف فيهما . ومن قبيل هذا نسخ الحديث المتواتر لحديث الآحاد وأما الخلاف القوي فهو في نسخ القرآن بالحديث ولو متواترا ، أو الحديث المتواتر باخبار الآحاد ، والذي عليه المحققون الأولون ان الظني ( وهو خبر الآحاد ) لا ينسخ القطعي كالقرآن والحديث المتواتر . والحنفية وكثير من محققي الشافعية صرحوا بجواز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ، لان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معصوم في تبليغ
--> ( 1 ) يرجح الثاني قوله تعالى ( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ) والمختار عند شيخنا انها بيت المقدس كما تقدم قريبا فهي بجعل اللّه تعالى ولكنها ليست في القرآن ( 2 ) المختار الذي قررناه في تفسير الآيتين ( 65 و 66 ) من سورة الأنفال ان هذا ليس بنسخ أصولي ، وأن الآيتين نزلتا في وقت واحد ، وانما الأولى عزيمة في حال القوة ، والثانية رخصة في حال الضعف كما صرح فيها ( راجع ص 80 ج 10 تفسير )